أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
206
العقد الفريد
ومما أدرك على المتلمّس قوله : وقد أتناسى الهمّ عند احتضاره * بناج عليه الصّيعرية مكدم « 1 » والصيعرية : سمة النوق ، فجعلها صفة للفحل ، وسمعه طرفة وهو صبي ينشد هذا البيت ، فقال : استنوق الجمل ! فضحك الناس ، وصارت مثلا . أخذ عليه أيضا قوله : أحارث انا لو تساط دماؤنا * تزايلن حتى لا يمسّ دم دما « 2 » وهذا من الكذب المحال . ومما أدرك على طرفة قوله : أسد غيل فإذا ما شربوا * وهبوا كل أمون وطمر ثم راحوا عبق المسك بهم * يلحفون الأرض هدّاب الأزر فذكر أنهم يعطون إذا سكروا ، ولم يشترط لهم ذلك إذا صحوا كما قال عنترة : وإذا شربت فإنني مستهلك * مالي ، وعرضي وافر لم يكلم وإذا صحوت فما أقصّر عن ندى * وكما علمت شمائلي وتكرّمي « 3 » ومما أدرك على عدي بن زيد قوله في صفة الفرس : فضاف يفرّي جلّه عن سراته * يبذّ الجياد فارها متتابعا « 4 » ولا يقال للفرس فاره ، وإنما يقال له جواد وعتيق ، ويقال للبرذون والبغل والحمار : فاره . ومما أدرك عليه وصفه الخمر بالخضرة ، ولا يعلم أحد وصفها بذلك ، فقال :
--> ( 1 ) الصيعرية : سمة في عنق الناقة خاصة ، أو اعتراض في السير ، وقيل هي وسم لأهل اليمن . ( 2 ) تساط : تخلط . والتزايل : التباين . ( 3 ) الندى : الكرم . ( 4 ) ضاف : مال ودنا . ويبدّ : يبعد .